تونس تتعرف على بقية منافسيها في مرحلة المجموعات بكأس العرب

 

مجموعة تونس 

تونس- قطر-فلسطين-سوريا 

تدخل كرة القدم التونسية اختبارًا جديدًا ومثيرًا في نهائيات كأس العرب، وذلك بعد وقوع المنتخب التونسي في مجموعة تضم قطر وفلسطين وسوريا، وهي مجموعة يمكن وصفها بأنها مزيج بين التحدي الفني، والخصوصية التاريخية، والهوية الكروية العربية التي تجمع بين مدارس مختلفة. ورغم أن المنتخب التونسي يُعدّ أحد أبرز المنتخبات العربية على المستوى القاري والعالمي، فإن وجود قطر، البلد الذي حقق نجاحات لافتة في السنوات الأخيرة، ووجود منتخبين يتمتعان بروح قتالية كبيرة مثل فلسطين وسوريا، يجعل المجموعة مفتوحة على كل الاحتمالات، ويحوّل كل مباراة فيها إلى مواجهة تعتمد على التفاصيل الصغيرة والإصرار الذهني قبل الجانب التكتيكي.


من الناحية الفنية، يدخل المنتخب التونسي البطولة بطموحات كبيرة ورغبة واضحة في استعادة الهيبة التي لطالما ارتبطت بـ”نسور قرطاج” في المحافل العربية. فالمشاركة التونسية ليست مجرد حضور شكلي أو تجربة شباب، بل هي اختبار يعكس مكانة المدرسة الكروية التونسية وقيمة لاعبيها المنتشرين في الدوريات الأوروبية والعربية. لكن رغم ذلك، فإن المهمة لن تكون سهلة. فالمنتخب القطري، خصوصًا بعد التطور الكبير الذي شهده في العقد الأخير، يمثل خصمًا عنيدًا، ينتمي إلى منظومة كروية قوية ومتكاملة تستفيد من الاستقرار الفني والاستثمار الجيد في البنية التحتية. وهو منتخب يجمع بين القوة البدنية والانضباط التكتيكي، إضافة إلى لاعبين يمتلكون خبرة عالية في البطولات الكبرى، مما يجعل مواجهته أشبه بموقعة نهائية في قلب دور المجموعات.


أما المنتخب الفلسطيني، فهو منتخب يجسّد الروح القتالية العربية بأبهى صورها. لا يعتمد بالضرورة على أسماء لامعة في الملاعب العالمية، لكنه يمتلك ميزة نادرة تتمثل في الأداء الجماعي والروح العالية التي تقلب موازين المباريات. وفي كل نسخة من البطولات العربية الكبرى، يثبت المنتخب الفلسطيني أنه خصم لا يمكن الاستهانة به، خصوصًا أمام المنتخبات الكبيرة التي تعتقد أنها ضمنت الفوز مسبقًا. وبالنظر إلى أسلوبه الذي يعتمد على الاندفاع والقوة البدنية والضغط المتقدم، فإن المنتخب التونسي سيكون مطالبًا بالتعامل بحذر وذكاء مع هذه المواجهة، لأن أي لحظة تهاون قد تكون مكلفة.


أما المنتخب السوري، فهو الآخر يدخل البطولة بطموحات كبيرة رغم الظروف الصعبة التي يمر بها. لقد نجح منتخب سوريا خلال السنوات الماضية في بناء شخصية كروية قوية، وترك بصمة واضحة في المنافسات القارية. ويتميّز “نسور قاسيون” بأسلوب لعب يعتمد على القوة البدنية، والالتزام الدفاعي، والقدرة على إحداث الفارق من الكرات الثابتة. وهذا ما يجعل مباراتهم مع تونس مواجهة مليئة بالإثارة، خاصة وأن المنتخبين سبق أن التقيا في مناسبات عديدة، مما يضيف بُعدًا تاريخيًا ونفسيًا يزيد من حرارة اللقاء.


في هذا السياق، سيكون على المدرب التونسي أن يختار التوليفة المناسبة بين الخبرة والحيوية. فالمجموعة تتطلب لاعبين قادرين على التحكم في نسق اللعب أمام المنتخبات التي تعتمد على الحماس، إضافة إلى لاعبين يمتلكون القدرة على اختراق الدفاعات الصلبة التي سيواجهها خاصة أمام فلسطين وسوريا. كما أن المنتخب التونسي يحتاج إلى تحقيق التوازن بين الاستحواذ الفعّال والهجمات السريعة، لأن محاولة السيطرة المفرطة قد تقلب المباراة ضده إذا لم تكن مقرونة بالتركيز والسرعة في التحول الهجومي.


من جهة أخرى، فإن عامل الضغط الجماهيري قد يكون مؤثرًا، خصوصًا في المباراة المنتظرة بين تونس وقطر، إذ من المرجح أن تكون مدرجات الملعب ممتلئة، وهو ما يضيف طابعًا جماهيريًا خاصًا قد يزيد من حماسة المباراة ويحوّلها إلى معركة تكتيكية تحتاج إلى هدوء أعصاب وإدارة ذكية للظروف. فالمنتخب القطري متعوّد على اللعب تحت الضغط، بينما المنتخب التونسي يمتلك خبرة طويلة في التعامل مع المدرجات العربية الكبيرة، وهو ما يجعل المواجهة أشبه بصدام مدرستين كرويتين تمثلان شمال أفريقيا والشرق الأوسط.


كذلك، لا يمكن إغفال الجانب الذهني في هذه المجموعة، إذ ستكون تونس مطالبة بالتركيز العالي منذ المباراة الأولى. فتاريخ كرة القدم العربية علّمنا أن المنتخبات الكبيرة عادة ما تواجه صعوبات في أولى المباريات إذا استهانت بخصومها أو دخلت البطولة بنصف قوة. ولذلك، فإن مواجهة فلسطين مثلًا تحتاج إلى صبر وقدرة على فك التكتلات الدفاعية، بينما مواجهة سوريا تحتاج إلى مرونة ذهنية أمام الضغط البدني، ومواجهة قطر تحتاج إلى ذكاء تكتيكي من مستوى عالٍ لتجنب مفاجآت الدقائق الأخيرة.


وإذا نظرنا إلى الحظوظ، قد يبدو المنتخب التونسي نظريًا الأقرب لتصدر المجموعة، لكن كرة القدم لا تُحسم على الورق. فالمنتخب القطري يمتلك عناصر قادرة على قلب النتائج في أي لحظة، والمنتخب السوري يمكنه إرباك أي منافس باستخدام الحماس التنظيمي، بينما المنتخب الفلسطيني يجيد استغلال الفرص النادرة بطريقة حاسمة. وهذا ما يجعل مجموعة تونس واحدة من أقوى المجموعات وأكثرها توازنًا في البطولة، لأنها تجمع بين منتخب كبير تاريخيًا وثلاثة منتخبات تملك دوافع هائلة لإثبات الذات.


ومن زاوية الإعلام الرياضي، فإن مواجهة تونس مع كل منتخب من هذه المجموعة تحمل قصة خاصة. فمباراة تونس وقطر ستكون مواجهة قمة، تجمع بين منتخب ذي تاريخ في كأس الأمم الأفريقية ومنتخب حقق نجاحات كبيرة في آسيا. أما مباراة تونس وفلسطين فهي مواجهة أخوة قبل أن تكون منافسة، لكنها تبقى مباراة يجب أن تُدار باحترافية كبيرة من أجل تأمين النقاط. في حين أن مباراة تونس وسوريا ستشهد مزيجًا من الإصرار والندية بين مدرستين قويتين في المنطقة.


في النهاية، يمكن القول إن مجموعة تونس في كأس العرب ليست سهلة، وليست صعبة، لكنها مجموعة تحتاج إلى ذكاء، وتركيز، وواقعية. فإذا تعامل المنتخب التونسي مع كل مباراة وكأنها نهائي صغير، سيكون قادرًا على تجاوز هذه المرحلة بأفضل شكل ممكن. أما إذا دخل البطولة بثقة زائدة، فقد يجد نفسه أمام سيناريوهات غير متوقعة، لأن المنتخبات الثلاثة الأخرى تمتلك كل ما يلزم لإحداث المفاجأة.


إن هذه المجموعة ليست مجرد منافسة كروية، بل هي مرآة لروح كرة القدم العربية: شغف، قوة، انتماء، وتحدٍّ. وبالنسبة للمنتخب التونسي، فإن المرور منها بنجاح سيكون خطوة مهمة نحو الوصول إلى الأدوار النهائية، وربما المنافسة على اللقب في حال نجح الفريق في الحفاظ على توازنه وثقته بنفسه


تعليقات