مستويات كأس العالم 2026

 


مع اقتراب كأس العالم 2026، تتجه أنظار جماهير كرة القدم في العالم إلى تفاصيل النسخة الأكبر في تاريخ المونديال، سواء من ناحية عدد المنتخبات أو من حيث النظام الجديد الذي سيغيّر بشكل جذري شكل المنافسة وطريقة تصنيف المنتخبات في القرعة. فبعد قرار فيفا برفع عدد المشاركين من 32 إلى 48 منتخبًا، أصبح توزيع المستويات جزءًا جوهريًا من النقاش الكروي العالمي، نظرًا لما يمثّله من تأثير مباشر على شكل المجموعات وقوة كل منتخب وحظوظه الواقعية في العبور نحو الأدوار الإقصائية. وبالعودة إلى طريقة تقسيم المستويات، نجد أنها تعتمد أساسًا على ترتيب الفيفا الشهري، ما يجعل المنتخبات مطالبة بالحفاظ على نتائج ثابتة قبل موعد القرعة لتأمين مكانها في مستوى أعلى يجنّبها مواجهة القوى الكبرى مبكرًا.


يضم مونديال 2026 أربعة مستويات، يحتوي كل مستوى منها على 12 منتخبًا، إذ يتم توزيع 48 منتخبًا على 12 مجموعة، تضم كل مجموعة 4 منتخبات. هذا التغيير الضخم مقارنة بالنسخ السابقة يجعل عملية التصنيف أكثر حساسية، لأنه لم يعد هناك فقط “مستوى أول قوي ومجموعة متوازنة”، بل أصبح بالإمكان أن تمنح القرعة مجموعة شديدة التنافس أو أخرى متكافئة إلى حد كبير. فالمستوى الأول مثلًا يشمل المنتخبات صاحبة الأفضلية التاريخية والواقعية، مثل الأرجنتين، البرازيل، فرنسا، إنجلترا، إسبانيا، والفرق التي تحتل مراكز متقدمة جدًا في التصنيف العالمي. وجود هذه القوى في مستوى واحد يعني أن أي منتخب يتفادى مواجهتهم في دور المجموعات سيكسب أفضلية كبيرة في طريقه نحو التأهل.


أمّا المستوى الثاني، فهو غالبًا ما يضم المنتخبات القوية التي تمتلك خبرة جيدة في البطولات الكبرى، لكنها ليست ثابتة بما يكفي لاحتلال مراكز النخبة، على غرار كرواتيا، هولندا، ألمانيا إذا تراجع ترتيبها، إضافة إلى منتخبات لاتينية أو أفريقية قوية مثل الأوروغواي أو المغرب أو السنغال. وهذا المستوى يُعتبر في نظر الكثيرين “المستوى القاتل”، لأن خصومه قادرون على هزيمة الكبار وفرض مفاجآت من العيار الثقيل، ما يعني أن وجود فريق واحد من المستوى الأول مع آخر من المستوى الثاني في مجموعة واحدة قد يمنح الجماهير مباريات قوية منذ الجولة الأولى للمونديال.


وبالانتقال إلى المستوى الثالث، نجد أنه يضم المنتخبات المتوسطة التي ليست ضعيفة تمامًا ولا قوية كفاية لفرض نفسها مبكرًا، لكنها قادرة على خلق صعوبات كبيرة لخصومها، خاصة المنتخبات الأوروبية الصغيرة أو الآسيوية المتطورة، والمنتخبات الأفريقية التي تتأهل بانتظام للمونديال. وفي الحقيقة، يعتبر هذا المستوى من أخطر المستويات في النظام الجديد، لأن كل منتخب من مستواه يأتي غالبًا بلا ضغوط، لكنه قادر على إرباك الحسابات تمامًا، خصوصًا أن النظام الجديد لمرحلة المجموعات يسمح بتأهل فريقين على الأقل من كل مجموعة، ما يجعل الصراع مفتوحًا أمام الجميع. فمنتخب مثل اليابان أو الولايات المتحدة أو بولندا عندما يكون في المستوى الثالث، قد يشكل اختبارًا صعبًا حتى على فرق المستوى الأول.


وفي النهاية يأتي المستوى الرابع، الذي يضم المنتخبات الجديدة أو التي تعود بعد غياب طويل، إضافة إلى الفرق التي تأهلت عبر الملحق الدولي أو تلك ذات التصنيف المتراجع. هذا المستوى يبدو في ظاهره الأضعف، لكنه في الحقيقة قد يحمل مفاجآت كبيرة، لأن بعض المنتخبات تلعب من دون أي ضغط، وتدخل كل مباراة بروح قتالية عالية لأنها تُدرك أن أي نقطة يمكن أن تصنع التاريخ. كما أن توسعة المونديال سمحت لمنتخبات آسيوية وأفريقية وكونكاكاف بالمشاركة في أعداد أكبر، وهذا بدوره يزيد من احتمالات ظهور مفاجآت مدهشة، كما حدث في مونديال 2022 مع السعودية وتونس والمغرب.


النظام الجديد للمجموعات الذي يقضي بوجود 12 مجموعة من 4 منتخبات يعطي قيمة إضافية للمستويات. ففي النظام القديم (8 مجموعات من 4) كانت القرعة أكثر توازنًا بحكم العدد المحدود، أما الآن فقد أصبح المجال مفتوحًا لسيناريوهات عديدة: مجموعات سهلة، مجموعات نارية، مجموعات غير متوقعة، وأخرى متوازنة بشكل مثالي. هذا التنوع يجعل معرفة مستوى المنتخب قبل القرعة أمرًا محوريًا، لأنه يؤثر مباشرة على مسار البطولة.


ولعل أبرز ما يميز مستويات كأس العالم 2026 هو أنها تمنح منتخبات من خارج “القارة الأوروبية” فرصًا أكبر لصنع التاريخ. فالقارة الأفريقية مثلًا كان لها دائمًا 5 مقاعد، أمّا الآن فقد أصبحت تمتلك 9 مقاعد مباشرة وواحدًا عبر الملحق. هذا يعني أن وجود عدد أكبر من المنتخبات الأفريقية في المستويات المتوسطة والرابعة سيمنح البطولة مزيجًا جديدًا من المنافسة. الأمر ذاته ينطبق على آسيا، التي أصبحت تمتلك 8 مقاعد مباشرة، مما يزيد حدة المنافسة ويجعل منتخبات مثل اليابان وكوريا الجنوبية والسعودية وقطر وإيران قادرة على احتلال مراكز أقوى في المستويات. وحتى المنتخبات العربية مثل المغرب وتونس والجزائر ومصر (إذا تأهلت) قد تجد نفسها في مستويات جيّدة تسمح لها بالدخول في قرعة مريحة نسبيًا.


ومن الجوانب المهمة أيضًا أنّ توزيع المستويات يساعد الإعلام والجماهير على رسم صورة مبكرة لما ستكون عليه حظوظ كل منتخب. فمثلًا، منتخب في المستوى الأول غالبًا ما يكون مرشحًا لحصد النقاط كاملة، بينما فريق في المستوى الرابع يُعتبر outsider قد يخلق مفاجأة إذا تمكن من فرض التعادل أو الفوز على أحد المنتخبات الكبيرة. هذه الديناميكية تجعل لكل مباراة وزنًا استثنائيًا في النظام الجديد، لأن 3 مباريات فقط تحدد المصير، تمامًا كما كان الحال دائمًا، لكن مع اختلاف أن البطولة أصبحت تضم عددًا أكبر من المنافسين، وبالتالي فإن الخطأ ممنوع.


ومع استمرار تطور كرة القدم عالميًا، لم يعد الفارق بين المستويات الأربعة كبيرًا كما كان سابقًا. فقد رأينا في مونديال 2022 منتخبات من تصنيفات متوسطة أو ضعيفة تفوز على عمالقة اللعبة. ولهذا فإن مستويات 2026 ليست مجرد تصنيفات على الورق، بل هي مفتاح لفهم كيف ستتشكل ملامح البطولة الأكبر في التاريخ، وكيف يمكن لفريق واحد أن يغيّر مصير مجموعة بأكملها.


باختصار، يمكن القول إن مستويات كأس العالم 2026 ستكون عنصرًا أساسيًا في تشكيل هوية البطولة، لأنها لا تحدد فقط من يواجه من، بل ترسم بشكل غير مباشر ملامح المنافسة العامة، وتمنح الجماهير صورة أولية عن موازين القوى. ومع النظام الجديد والعدد الأكبر من المنتخبات، تصبح القرعة حدثًا ينتظره العالم بشغف كبير، لأن أي مجموعة قد تصبح “مجموعة الموت”، وأي منتخب قد يجد نفسه أمام فرصة ذهبية للتأهل لأول مرة في تاريخه. إن توسعة البطولة لا تعني فقط زيادة عدد المباريات، بل تعني أيضًا زيادة الحلم والمفاجآت والمتعة، وهذا ما يجعل مستويات مونديال 2026 واحدة من أكثر الأمور إثارة قبل انطلاق الحدث الأكبر في عالم الرياضة




تعليقات